أبو حامد الغزالي
244
تهافت الفلاسفة
المقام الثاني ، أن نقول : ما زعمتموه من أن كل حال في جسم ، فينبغي أن ينقسم ، باطل عليكم بما تدركه القوة الوهمية ، التي في الشاة ، من عداوة الذئب ، فإنها في حكم شئ واحد ، لا يتصور تقسيمها ، إذ ليس للعداوة بعض ، حتى يقدّر إدراك بعضه ، وزوال بعضه ، وقد حصل إدراكها في قوة جسمانية عندكم ، فإن نفس البهائم منطبعة في الأجسام ، لا تبقى بعد الموت ، وقد اتفقوا عليه ، فإن أمكنهم أن يتكلفوا تقدير الانقسام ، في المدركات بالحواس الخمس ، وبالحس المشترك ، وبالقوة الحافظة للصور ، فلا يمكنهم تقدير الانقسام في هذه المعاني ، التي ليس من شرطها ، أن تكون في مادة . فإن قيل : الشاة لا تدرك العداوة المطلقة المجردة عن المادة ، بل تدرك عداوة الذئب المعين المشخص ، مقرونا بشخصه وهيكله ، والقوة العاقلة تدرك الحقائق مجردة ، عن المواد والأشخاص . قلنا : الشاة قد أدركت لون الذئب ، وشكله ، ثم عداوته ، فإن كان اللون ينطبع في القوة الباصرة ، وكذا الشكل ، وينقسم بانقسام محل البصر ، فالعداوة بماذا تدركها ؟ ! . فإن إدركتها بجسم ، فلينقسم ، وليت شعري ما حال ذلك الإدراك إذا قسم ؟ ! ، وكيف يكون بعضه ؟ ! ، أهو إدراك لبعض العداوة ؟ ! ، فكيف يكون لها بعض ؟ ! ، أو كل قسم أدرك كل العداوة ؟ ! ، فتكون العداوة معلومة مرارا ، بثبوت إدراكها في كل قسم من أقسام المحل . فإذن هذه شبهة مشككة لهم في برهانهم ، فلا بد من الحل . فإن قيل : هذه مناقضة في المعقولات ، والمعقولات لا تنقض ، فإنكم مهما لم تقدروا على الشك في المقدمتين ، وهو أن العلم الواحد لا ينقسم ، وأن ما لا ينقسم لا يقوم بجسم منقسم ، لم يمكنكم الشك في النتيجة . والجواب ، أن هذا الكتاب ما صنفناه ، إلا لبيان التهافت والتناقض ، في كلام الفلاسفة ، وقد حصل ، إذ انتقض به أحد الأمرين : - إمّا ما ذكروه في النفس الناطقة . وإمّا ما ذكروه في القوة الوهمية .